فتحت عيناي بصعوبة بالغة لألمح أمامي وجها تكسوه التجاعيد، خطوط مرسومة بإتقان على جبهتها العريضة وعلى جفنيها كالشلالات الفياضة، تضاريس عريقة نقشها الزمن بعناية حاولت استيعاب الأمر وتحريك شفتاي فما لبثت أن تحررت مني عبارة واحدة
- ماذا حدث؟
لأجد العجوز تقترب مني أكثر واضعة كفها على رأسي متسائلة
- ما بالك يا بني تقف عند حافة الجسر في وقت متأخر، عساه خيرًا ؟
- أين أنا؟
- وجدتكَ فاقدًا للوعي عند الحافة فأحضرتك لمنزلي الصغير
لم أجد ردا على كلمات العجوز الحنونة
ما هذا يا إلهي؟
لقد مضى وقت طويل على اهتمام أحد بي بهذه الطريقة مضى وقت طويل على معاملة أحدهم لي بهذا العطف والحنان،حاولت الوقوف على قدماي باحثا عن معطفي لمغادرة المكان فإذ بي أجد العجوز شامخة أمامي تقف حاجزا بيني و بين باب المنزل الخشبي
- لا تكن عنيدَا بني ، حرارتك ارتفعت كثيرًا الليلة الماضية لو أنك تبقى حتى الغد فالجو بارد في الخارج و أخشى أن تسوء حالتك أكثر
وجدت قدماي تعود بي للخلف لتلقي بنصف جسمي على السرير المهتز
لا أعلم إن كان بقائي برغبتي لكن لا أنكر اختراق تلك الكلمات العطوفة لذاتي
حتى في طفولتي لم أجد من يهتم لصحتي فوالداي لطالما كانا مشغولين في عملهما و عند عودتهم في المساء كل يلقي بنفسه في سريره من فرط التعب
و أظل أنا حبيس غرفتي
طفل وحيد لايجد حتى مع من يتشارك لعبه
طفل رغبته الوحيدة آذان تصغي لحديثه عن يومه كيف كان في المدرسة
قلب يفرح لعلاماته الجيدة
أو حتى ليكن توبيخا على تقصيره
لا يهم يكفيه أن يشعر أنه ليس منبوذًا و أن هناك من يلحظ وجوده
تأملت سقف المنزل المهترئ و تجولت بعيناي لأتأمل أروقة المنزل البسيط
فقد كان أقرب إلى كوخ ، تفاصيله جدّ بسيطة لكنها هادئة جدًا ، دافئة جدًا، ساحرة جدًا
شعرت بسكينة غريبة تهدئ من روع أفكاري إلى أن تمكن مني النوم ليأخذني و لأول مرة نحو عالم خيالي خال من كل أنواع السوء.
استيقظت إثر مواء القطة كثيفة الفراء، الذي ما يلبث أن يتوقف حتى يبدأ من جديد،
تفحصت المكان حولي لأرى العجوز الحنونة تغط في نوم عميق على أريكة بجانبي،
ممسكة بقطعة ثوب مبلولة،
تأملتها لحظات حتى لمحت جفون عيناها تجاهدان لتفصل الرموش العلوية عن السفلية، فلم أجد إلا أن أغمضت عيناي متظاهرًا بالنوم، بقيت على حالي بضع دقائق لأسمع صوت خرير المياه في المطبخ، تعقبه خطوات أقدام تتقدم نحوي ثم برودة فوق جبهتي، لم أعي نفسي حتى تحررت دمعة من عيني لتقف رموشي حاجزا أمام انسياب أنهار من الدموع التي تأمل لو استطاعت التحرر، رفعت يدي واضعا كفها فوق جبهتي، لألمس يدان لم أرى أنعم و أحن منهما في حياتي،
تلعثمت لوهلة و ها أنا أنطق بها أخيرا
- شكرا
- كيف حالك الآن بني؟ بماذا تشعر ؟
عدلت جلستي مستوعبا الموقف لأجدها تبتسم لي،
لا أعلم إلى أي كون إنتقلت في تلك اللحظة ، ما هذا الحنين يا إلهي؟
استسلمت لمشاعر الطفل بداخلي و سألتها بكل براءة
- لماذا تفعلين هذا؟ كيف لكِ أن تكوني كائنا بشريا بكل هذا القلب الذي تحملينه بداخلك؟
- و هل البشر سيئون ؟ أنظر لنفسك مثلا و تأمل طيبة قلبك، أشرط أن تكون عديم الإنسانية لتكون من جنس البشر ؟
- لا أعلم لكن في هذه الحياة لم يعطف علي أحد، و لم يحبني أحد دون مقابل، حتى التي أحببت....
- ما بالها التي أحبها قلبك؟
- لا شيء ، لا أحب التحدث في الأمر
- كما تشاء ، مارأيك في فنجان قهوة سادة ؟ فالحديث سيطول على ما يبدو
-سيكون هذا جيد جدًا ...
مضت ساعات و نحن نتبادل أطراف الحديث ، عرفت منها أنها وحيدة عاشت حياتها وحيدة ، مثلي تماما
ذكرني كلامها و صراعاتها الداخلية بليالي السوداء، التي لا أعلم ما يجعلنا نصفها بالبيضاء و السواد يغمرها
كنت أستحضر بمحاذاتها ذكرياتي الرمادية، لم أشعر نفسي أحادث عجوزا كبيرة السن إطلاقا، فقد عادت شابة في مقتبل العمر، حيويتها في قص مغامراتها، النور المشع من عيناها، و كم تعجز كلماتي عن وصف تلك اللحظات بمشاعرها الصادقة.
بقلمي/ سارة المدني

بارك الله فيكِ وأدام إبداعكِ💚🌾
ردحذف