اسكريبت بعنوان فرصة الحياة الضائعة

 اسكريبت بعنوان "فرصة الحياة الضائعة"

ـــــــــــــــــــ

صدح صوت الهاتف المزعج في الغرفة؛ فقطع على تلك الشابة نومها، تململت في فراشها بتثاقل تلعن بداخلها المتصل؛ ثم ردّت على صاحب المكالمة دون أن تعرف من هو بصوت يغلب عليه أثر النوم:

ـ ما الذي تريدونه من خلق الله في هذا الوقت؟ ألا تستطيعون أن تنتظروا حتى نستيقظ وتتصلوا؟ تبًا لكم من مزعجين! ألم تفكروا في أنه من الممكن أن نكون مشغولين بأمور أهمٍ؟ حياتنا فيها الكثير من المشاغل، الرحمة قليلًا ودعونا ننام!

تركها تكمل نوبة نكدها الصباحية التي تعيدها كل يوم كأسطوانة أغنية صاخبة، إلا أنه لم يستطع كبت ضحكته لمدة أكثر؛ فأطلق العنان لضحكه الهستيري، صمتت فجأة تحاول استيعاب الأمر؛ ثم قالت:

ـ من معي؟

ـ هذا أنا أيتها الخرقاء التي لم تسجل رقمي، وفي كل يوم تثقب أذني بصراخها المزعج!

أبعدت الهاتف بسرعة عن أذنها وقرأت اسم المتصل؛ ثم قالت بصوته تشوبه الصدمة:

ـ ياااه أيهم؟؟

ـ نعم يا حور، ومن غيري الذي ابتلاه الله بك أيتها الكوالا؟!

ـ أنت الكوالا أيها الأحمق! أولا، رقمك مسجل عندي وأنت تعلم هذا؛ فلا تزد من انزعاجي، ثانيا، ما الذي تريده مني في هذا الوقت المبكر؟

ـ مبكر!! اصحَي أيتها المجنونة، لقد تأخرتِ عن المدرسة!

ـ ماذا؟ كم الساعة؟! يا إلهي، لقد تأخر الوقت كثيرا، لماذا لم تتصل بي أيها المزعج؟! يا ليتني لم أسهر كثيرا، ونمت وما حصل كل هذا.

قال بنبرة متهكمة:

ـ لم أتصل بك!! صدقيني شركة الاتصالات سترفع ضدي محضرا قضائيا بسبب كثرة الاتصالات في ذات الوقت!! 

توقف عن الكلام ثم أكمل بنبرة متسائلة: 

ـ لماذا لم تنامي؟ هل جافاكِ الأرق ثانية؟!

ردت وهي تسارع في ارتداء حجابها:

ـ أنت تعلم جيدا أنه لم يفارقني يوما لكن، في الحقيقة زدت من سهري لأعيد مشاهدة كرتون"الحديقة السرية".

ـ إلى متى ستبقين هكذا؟ ألن تنضجي أيتها الفتاة الصغيرة؟ اعقلي؛ فأنت الآن صاحبة ثمانية عشر ربيعا، وقد كبرت على هذه الأمور.

زمّت شفتيها بضيق، وردت عليه بتذمر:

ـ اخرس فلا دخل لك، أشاهد ما أحب وليس لك دخل بهذا، هل فهمت؟! سأغلق المكالمة الآن قبل أن تنفجر مرارتي المسكينة بسببك أيها المعتوه.

كان على وشك الرد عليها؛ إلا أنها أنهت المكالمة، حدق في الهاتف لمدة ؛ثم انفجر بالضحك عليها ثانية.

....

ـ وأخيرا وصلت! نحن متأخران عن الفصل خمس دقائق كاملة، يا إلهي، أنك تشبهين حيوان الباندا كثيرا بسبب هالات عينيك! 

اتكأ على الجدار يسند نفسه يحاول كبت ضحكه، أما هي فكانت على وشك أن تقتله؛ إلا أنها تبسمت في وجهه باستفزاز، ودخلت الصف؛ فلحقها هو بسرعة.

ـ السلام عليكم، آسفة يا أستاذ على التأخر.

ـ علينا وعليكم السلام، اجلسي يا ابنتي، أساسا لم نبدأ الدرس بعد.

تبسمت في وجه هذا الأستاذ الذي كان لها الأب بعد موت أبيها، وساندها هي وعائلتها حين تخلى عنهم الجميع.

انتهى اليوم، وعادت لبيتها رفقة صديقتها المقربة والوحيدة تقريبا "جمانة"، والتي تشاركها أدق تفاصيلها، وتعلم عنها ما لا يعلمه الآخرون.

ـ حور، هل لي بطلب عندك؟

ـ يبدو أن الأمر جديّ جدا لتتكلم معي جمانة بطريقة مؤدبة، هيا يا سيادتك، أطربيني.

ضربتها جمانة على كتفها بضيق؛ ثم قالت:

ـ اسكتي ودعيني أكمل كلامي، فالحقيقة أريد منكِ أن تطلبي من أيهم أن يساعدني في مادة الفيزياء؛ فأنت تعلمين أنني أنا وهي لا نتفق أبدا، وهو أفضلنا فيها في الفصل.

ـ هذا هو الطلب؟ لما كل هذا التردد يا فتاة؟! بالتأكيد سأقول له هذا وأنا واثقة بأنه سيساعدك، انتظري لحظة.

أخرجت هاتفها من حقيبتها واتصلت به.

ـ سلام عليكم.

ـ وعليكم السلام، من معي؟

ـ بلا استهزاء وبلا رد أقوال، هل فهمت؟

ـ حاضر حاضر، ماذا تريدين مني؟

ـ يا لبرودة ردودك! على كل، جمانة صديقتي تريد مساعدتك في فهم الفيزياء، هل أنت موافق؟

ـ لا تتصلين إلا لمصلحتك والآن لأجل صديقتك! حسنا سأساعدها وأمري لله؛ فما الذي سأفعله غير هذا في ابتلائي بوجودك في حياتي؟ أعطِ لها رقمي كي أتمكن من التواصل معها.

ـ كفى تذمرا أيها المزعج، على كل شكرا جزيلا لك، سلمت من كل شر.

أغلقت المكالمة و نظرت في وجه صديقتها، وابتسمت قائلة بمرح:

ـ عليك أن تشتري لي اليوم علبة شوكولاتة من النوع الذي أحبه نظير صنيعي، هل اتفقنا؟

ـ موافقة موافقة، شكرا لك أيتها المتطلبة، لن أنسى صنيعك هذا يا روحي.

ـ ليس بيننا فضل، تذكري هذا جيدا يا قلبي.

وانتهى هذا اليوم وانقضت عدة شهور عليه.

ـ مرحبا جمانة كيف حالك؟ هل بك شيء ما لتتصلي في هذا الوقت المتأخر؟ ليست عادتك!

ـ لا تقلقي يا حوري أنا بخير ولله الحمد، في الحقيقة أريد أن أعترف لك بأمر ما.

ـ يدوم حمدك يا رب، تفضلي أنا أسمعك.

ـ هل يمكن أن نتراسل بالرسائل إذا كان هذا يناسبك؟

ـ بالتأكيد، لا تهم الطريقة.

أغلقت الفتاتان المكالمة وبدأتا بإرسال الرسائل.

ـ حسنا، ما الأمر الذي كنت تريدين مصارحتي به؟

ـ في الحقيقة، لقد وقعت في حب أيهم..

ـ ماذا ماذا؟! كيف حدث كل هذا؟

ـ بعفوية، فجأة وجدت نفسي صرت لا أستطيع قضاء يومي بدونه، ببساطة صارت روحي معلقة بروحه..

ـ عشت ورأيتك تقعين في الحب، يا سلام!

ـ هذا ليس الوقت المناسب لاستهبالك، نحن الآن في موضوع جدّيٍّ!

ـ حسنا، هل يعلم بهذا؟

ـ لا، لا يعلم، لكنه قال جملة لم أستطع تأويل معناها.

ـ أريني إياها.

ـ حسنا، دقيقة واحدة وستصلك الصورة.

حدقت حور في الشاشة تنتظر وصول الصورة بفارغ الصبر، وشعور قاتم تنامى بداخلها ترافقه خنقة شديدة لا تعلم سببها، وأخيرا وصلت الصورة، صدمت وهي تقرأ محتواها، هكذا الأمر إذا يا سيد أيهم، سلمت حقا! انهمرت دموعها تباعا تلاحق إحداها الأخرى، لم تبكي؟ لا تعلم هذا، لكن شيئا ما بداخلها انكسر وتفتت، كان محتوى الرسالة التي أرسلها أيهم لجمانة كالتالي: (لي من الصديقات العاديات الكثير، أما أنتِ؛ فأفضلهن وأقربهن}، حدثت نفسها قائلة:

ـ أهكذا صار الأمر يا أيهم؟ في شهور قلائل بعت الأصادق، نسيت من هون عنك صعوبة الحياة، دست العشم الذي بيننا؛ فيا خسارة! حقا يا خسارة!

رسالة أخرى وصلت من جمانة قضت على ما تبقى من حور (يا فتاة، عندما يأتي اليل حدّقِي في السماء جيدا وابتسمي؛ فالقمر يشتهي أن يرى نصفه الثاني سعيدًا)

ـ ما بالك يا قلبي تألمت؟ ما علاقتنا نحن بهذا الشأن؟أيهم مجرد صديق وأخ؛ فهل نسيت هذا؟ لما كل هذا الوجع؟ يا رب رحماك، يا رب رحماك.

وصلتها رسالة من جمانة تقول فيها:

ـ حسنا يا حور، ما رأيك؟

ـ لا أعلم حقا، لم أستطع تحديد معنى كلامه المبطن، يبدو أنني سأسأله عن الأمر.

ـ لا، لا تفعلي هذا؛ فربما سينزعج.

ـ لا تخافي، أتركي الأمر عليّ.

ـ حسنا يا حور، ربنا معكِ.

ـ معنا كلنا يا روحي.

.....

ـ أيهم رد عليّ بسرعة!

ـ نعم يا حور، ماذا هناك؟

ـ هل لي بسؤال؟

ـ لا تحتاجين للأذن، تعلمين هذا جيدا.

ابتسمت بحزنٍ، وردت:

ـ حسنا، أريدك أن تصارحني بمشاعرك تجاه جمانة.

ـ ما سبب هذا السؤال الغريب؟

ـ أنا من يطرح الأسئلة هنا؛ لهذا لن أجيب.

ـ حسنا أيتها المتسلطة، في الحقيقة هنالك مشاعر تنامت بداخلي تجاهها، لا أدري أهو حب أو لا؛ لكنني تعلقت بها جدا لدرجة لا أستطيع وصفها!

ـ اسمه حب يا ولد، لقد وقعت على رأسك بشدةٍ، سلامتك يا صاح!

ـ حتى مشاعري واستهزأت بها! جيد جدا يا حور، رائع هذا...

ـ ما بك صرت تتمسك بكل حرف أقوله؟ أنت بالتأكيد تعلم أنني أمازحك فقط!

ـ أجل يا حور، أعلم هذا، تصبحين على خير، أريد أن أنام.

كانت على وشك الرد؛ إلا أنه كان قد أقفل المكالمة حقا، ظلت مدهوشة تحدق في الشاشة، لم يعد الأمر يطاق فعلا!

...

ـ حسنا يا حور، أخبريني بما قاله لكِ هيا؛ فقلبي يكاد يقع من شدة توتره!

ابتسمت حور بألم، وقالت:

ـ في الحقيقة هو أيضا يكنّ لك المشاعر.

ـ أحقا هذا؟ سأموت من الفرح؛ فحتى الدنيا لا تستطيع أن تسعني الآن! شكرا لك كثيرا يا حوري، شكرا.

ـ أنا لم أقم بأي شيء كما تعلمين، لكن عفوا يا جمانة.

..

وتتالت الأيام ثانية؛ فليس لها حق التوقف، اعترف الاثنان لبعضهما بحبّهما، وأعلنا ارتباطهما أمام الجميع مما صدم حور؛ فهي لم تكن تتوقع من أي الطرفين أن يقوم بفعل مثل هذا وهما يعلمان أنه أمر محرم شرعًا! تعبت حور نفسيًا وتهادت صحتها، لا سيما بعد أن قامت جمانة بحظرها في كافة وسائل التواصل الاجتماعية بسبب غيرتها الشديدة، وطعنها لحور في شرفها، أما أيهم؛ فقد تغير كثيرًا من اللحظة التي دخلت فيها جمانة حياته، قلل كلامه مع حور حتى انعدم تقريبا، لا زالت تتذكر يوم ظهور نتيجة الباكالوريا حين اتصلت لتطمئن على نتيجته ونتيجة جمانة عن طريقه؛ فلم يرد عليها إلا بعد مرور أسبوع على ذلك، حاولت أن تعيد الأمور إلى مجاريها؛ إلا أنها باءت بالفشل الذريع، لكن يبقى تعويض الله دائما حاضرا، حيث عوضها بفاطمة التي كانت لها الملجأ، والحصن، والأمان، جمعتهما صدفة ذات مرة في القطار؛ فنشأت بينهما صداقة لا تزعزعها الظروف والمشاكل، حقا رب صدفة خير من ألف ميعاد! اعترفت لها بحبها لأيهم الذي أسرّته في نفسها منذ أن اكتشفته، وحكت لها كل ما حدث وبداية كل شيءٍ، حتى جاء ذلك اليوم الذي كان البداية لفترة جديدة في حياة حور، يوم اكتشفت أنها مصابة بورم في الدماغ، ويحتاج علاجه السفر خارج البلاد، لم تعرف حينها أتبكي أم تحزن؛ إلا أنها وبمساعدة فاطمة رضت بقضاء الله، وأيقنت أن رب الخير لا يأتي إلا بالخير، أبقت الأمر سرًّا عن الجميع ما عدا عائلتها وفاطمة التي كانت رفيقتها في كل خطوة تخطوها، جمع أخوها المال المتطلب للعلاج سريعا بعد أن منّ عليه الله بنعمه، وسافرت حور إلا الغربة رفقته بعد أن أودعت رسالة لكل من أيهم وجمانة عند فاطمة، وأوصت والدتها بألا تخبر أي أحد بمكانها مهما كان، تعالجت حور، ونجحت العملية بحمد الله، وعادت لها صحتها.

خلال هذه الفترة حدثت الكثير من الأمور، منها أن حور قد بنت نفسها من جديدٍ، ودفنت رفات الماضي الذي لن يعود، وأكملت دراستها، وتخرجت بأسمى الشهادات، أمّا أيهم وجمانة؛ فقد شاء الله وافترقا بسبب المشاكل الصغيرة التي تراكمت وبنت حاجزا بينهما، حقا ما بني على الحرام لن ينال بركة الله ولا الدوام! حنّ الاثنان لحور؛ فقد كان غيابها ذا أثر جليّ عليهما، بحثا عنها إلا أن كل أخبارها انقطعت، ولا أحد له علم بمكانها، حتى شاء الله والتقيا بفاطمة التي سلّمت الأمانة، وغادرت دون كلام؛ ليجهش الاثنان بالبكاء بعد أن أنهيا قراءة رسائل حور لهما.

...

"رسالة أيهم"

سلام الله عليك يا من كنت الأخ والصديق.

كيف حالك الآن؟ أتمنى أن تكون بخير.، نعم هذه هي الحقيقة، حتى الذين ظلموني أتمنى لهم الخير! هكذا تربّيت، وتعلمت، أكاد أجزم الآن أنك تظن أنني كتبت هذا الخطاب لأعاتبك، كلا ورب الكعبة ما كتبتها لغاية دنيئةٍ كتلك، نعم أعاتب من لهم مكانة غالية في قلبي، أما الغرباء؛ فلا يهمني أمرهم. 

لا تقلق؛ فلقد صرت أستيقظ باكرًا، ولا أتأخر عن المدرسة منذ أن قطعت علاقتك بي، لا زال الأرق صديق الليالي الذي لا يغدر ولا يخون، لا زلت أحب مشاهدة الرسوم المتحركة، لا زلت أنا حور التي تعرفها لكن بتحديثٍ جديدٍ، تحديثٍ كنت أنت وصديقتي الصدوق أسباب حدوثه، لا أخفي عليك أنني في فترة ما أحببتك، وأتعبت نفسي لأجلك، إلا أنني أشكرك كثيرًا؛ فلولاك ما صرت على ما أنا عليه الآن، بفضلك نضجت وفهمت الحياة، من القلب الذي ما عاد لك فيه مكان، أشكرك وأتمنى لك السعادة طول الحياة.

                                                            ـ حُـــورٌـ

...

"رسالة جمانة"

سلام الله على من كانت رفيقة الروح والأيام.

كيف حالك يا جمانة؟ هل أمورك تسير على ما يرام؟أتمنى أن يكون كل شي بخير بالنسبة لكِ، لا تستغربي؛ فحتى الغريب نلقي عليه السلام، ونسأله عن الأحوال! لا تقلقي؛ فقد سامحتك على كل شيءٍ فعلته في حقي يومًا، حتى طعنك لشرفي ورميك الكلام باستهزاءٍ كمحاولة لجعلي فضيحةً وعارًا لأهلي الذين ستبقى سيرتهم حسنة رغم محاولاتك لتلطيخها بأدناس لسانك ،نعم سامحتك، ولكن لا لحبيّ فيكِ، وإنما كي لا يكون لنا عند الله لقاء! بفضلك تعلمت أنه مثلما أحفظ ثقتي بالأشخاص في مكان عميق في ديجور قلبي، عليّ أن أترك مكانًا لتلقي خيبة هذه الثقة أيضًا، تعلمت أن نفسي ثم ننفسي، ثم أهلي، ثم من يستحقون الثقة، ثم الآخرون لا أريدهم، بفضلك تعلمت أن الله لا يبتلينا؛ إلا لكي نصبر، ونكابد، وننال الأفضل، وقد كانت مِنَن الله عليّ غزيرةً، وأهمها جمعه إيّايَ بفتاة مثل فاطمة، عوضني فيها عن كل الذين أزالهم عن حياتي؛فكانت الأخت التي لم أملكها يومًا، الصديقة الصدوقة صادقة العهد والمنصفة، جمع فيها كل الصفات التي ما وجدتها في غيرها، شكرا لكِ؛ فلولاكِ ولولا قدر الله ما صرت على هذه الحال، من القلب شكرا جزيلًا، سلمت من كل شر.

                                                           ـ حُـــورٌـ

....

حلّ اليوم الذي عادت فيه حور ثانية إلى الوطن، وكم حنّت إلى رائحة الشوارع الزّكية، وإلى قعدات المقاهي التي تحفّها الألفة، وإلى حضن، ورائحة، وطبخ أمّها، حنّت إلى فاطمة، إلى ذكريات الطفولة، اشتاقت إلى رائحة أزهار الياسمين والأقحوان، ببساطةٍ قد حنّت إلى شعور الانتماء، أخذت نفسا عميقا تحاول جمع ما أمكنها من أكسجين الوطن علّها تزيل عنها أدران هواء بلاد الغربة، وقالت بصوت ملتاه أجشّ:

ـ لَكَم أوَحَشْتَنِي يَا وَطَنُ!

....

بعد إعادة لمّ الشمل ثانيةً، باشرت حور عملها الخاص متكلة على الله، مستندة على الأحباب والرفقاء، إلى أن جاء اليوم الذي جمعتها فيه صدفة بأيهم في محل لبيع الكتب؛ فقالت بداخلها: (يبدو أنّك لا زلت أيها الأيهم تحب الكتب كسابق عهدي بكَ!)

كان أيهم مشغولًا بانتقاء الكتب التي يريدها حين مرًت حور عليه، لم ينتبه في البداية؛ إلّا أنه سرعان ما لحق بها حين أيقن أنّها هي، جرى بأقصى سرعةٍ لديه؛ ليوقفها قبل أن تركب سيارتها، وتغادر المكان ضائعةً منه إلى الأبد هذه المرة، نادى عليها؛ فاستدارت وابتسمت في وجهه، وصل إلى مكان وقوفها وهو يحاول التقاط أنفاسه..

ـ أنت حور أليس كذلك؟

ـ نعم أنا حور، وأنت أيهم أليس كذلك؟

ـ نعم، نعم أنا هو، الحمد لله أنك لا زلت تتذكرينني.

ـ يدوم حمدك، لكن تذكر دائمًا أّنني لا أنسى الأشخاص ولو جمعتني بهم صدفة عابرة فقط!

ـ حسنا حسنا، لا يهم هذا الآن، أخبريني كيف حالكِ؟ أين كنت طيلة هذا الوقت؟ وكأن الأرض انشقت وابتلعتكِ؛ فما عاد لكِ أثرٌ!

ـ بالنسبة لحالي؛ فأنا في أفضل حال والحمد لله، أما أين كنت؛ فلا أظنّ أن لك علاقة بهذا، لكن اطمئن، سأُشْفي غليلكَ وأخبركَ، في الحقيقة لقد أصبت بورم في الدماغ اضطرني للسفر إلى خارج البلاد، وبعد أن كتب الله لي الشفاء، أكملت دراستي هناك، ولما تخرّجت عدت ثانية إلى الوطن، هذا هو المختصر، هل من سؤال ثاني أو أرحل؟

ـ لا، انتظري، لا أسئلة ثانية، الحمد لله أنك بخير، لقد طمأنني هذا كثيرًا.

ـ شكرًا، أخبرني عن حالك مع جمانة، هل تزوج طائرَا الحب؟

ـ لا زلت تحتفظين بطبع التهكم إذن، لا علينا، أنا وجمانة انفصلنا في نفس العام الذي اختفيتِ فيه، لقد أدركت حقًّا أنني لم أحبها يومًا؛ فقلبي كان من الأول ملككِ أنتِ، آسفٌ لكِ كثيرًا على كل ما سبّبته لكِ من وجعٍ، حقًّا لا نعرف قيمة الأشياء إلا حين نفقدها؛ فهل يمكننا أن نعود إلى ما كنا عليه ثانية، ونبدأ من جديد؟

ـ قدر الله وما شاء فعل، لا داعي لاعتذارك؛ فهو لا يشكل فارقًا عندي من الأساس، وحبّك المتأخر هذا احتفظ به لنفسك؛ فلعلّ وعسى يفيدك يومًا، لا مجال لوعدتنا ثانية، لا كأصدقاءٍ ولا كشيءٍ ثانٍ أنتَ تعرف بأنّني من أشدّ المعارضين له.

ـ لا، أنا لا أقصد ما فهمته، أنا أريد الزواج منك يا حور، أريدك شريكةً لما تبقى من حياتي، أمًّا لأطفالي، أريدك أن تَبقَي معي إلى أن يأخذنا الموت سويًّا، ألم تقولي أنّك تحبينني؟ إذن لماذا الرّفض؟

ـ اعذرني؛ فما بيننا انتهى منذ زمنٍ طويلٍ، نعم قلت أنّني كنت أحبّكَ، وكان يا فهيم الزمان، ضميرٌ ماضٍ غير قابلٍ للاسترجاع، اعلم جيّدًا أنّ ما مات لا يعود إلى الحياة أبدًا، كذلك هي مشاعري تجاهكَ، ما عاد لكَ مكان في قلبي يا أيهم، لقد صرت أنت والغريب سيّان بينكما، افهم هذا رجاء! استودعتكَ الله.

ـ انتظري رجاء يا حور، أترجّاك أن تعطيني فرصةً ثانيةً؛ لأظهر لكِ صدق ما أقوله.

ـ آسفةٌ، ولكن أحيانا تعطينا الحياة فرصًا وحيدةً؛ فنضيّعها نحن بغبائنا، كذلك هو حالكَ معي يا أيهم، لقد كنتُ فرصة الحياة الضائعة بالنسبة لك، والذي يَضيعُ لا مجال لاسترداده أبدًا، معكَ اللّه يا أخي.

وغادرت حور المكان بعد أن تخلّصت من آخر الخيوط التي كانت تربطها بماضيها، وبَقِي الأيهم يبكي فرصته الضائعة بسبب سوء اختياره.

ـ أنفال نورالدين.

#جريدة ملاك 

الكاتبة رويدا محمد

ك_ رويدا محمد بدأت في مجال الكتابة سنة ٢٠٢١م حصلت على العضوية مِن مؤسسة هيباتيا للثقافة والفنون الأمين العام “أحمد الشريف” وهذهِ المؤسسة نسبة إلى هيباتيا السكندرية ‏وهي فيلسوفة تخصصت في الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، عضو بالمجلس القومي للشباب، مُصصحة ومدققة، عضو بمجلة إيفرست، وعضو بجريدة سكن، وجريدة أماليا التي كانت بداية لها، مصححة، مدربة كورسات، نائب عام للتعاقدات، ليدر في عدة كيانات؛ فنحن لسنا مجرد فريق عمل يعمل لأجل مبتغاه، بل نحن أسرة نعمل لأجل إقامة الموهبة وإقامة كل شخص يريد أن يكون جزءًا منه، نكون لأننا جميعًا وليس لأجل الواحد منا وحده.

2 تعليقات

أحدث أقدم